بقلم: بروفيسور عبد الستار قاسم
بلا خجل أو وجل، وبدون استحياء وتعذر، وافق النظام الأردني على أن يستكمل مجاهدون أردنيون بعض محكوميتهم الصهيونية في السجون الأردنية. بدل أن يصر النظام الأردني على تسريح المعتقلين، وبدل أن يعمل بوسائل مختلفة على تحريرهم، ارتضى أن يكون سجانا بالوكالة عن الصهيونية وإسرائيل، تماما كما ارتضت السلطة الفلسطينية لنفسها ذات الشيء. هذا هو مستوى الأنظمة العربية في فهم الصراع العربي-الإسرائيلي، وفي دفاعهم عن حقوق الأمة في الأرض والمقدسات.
ما الذي يضير إسرائيل إذا خفضت الأردن مدد محكومية هؤلاء المجاهدين إذا كان الثمن هو أن يصبح العربي سجانا بالوكالة، وأن تكتسب المحاكم الإجرامية الصهيونية شرعية لدى الأنظمة العربية، وأن يوافق العرب على أن الإرهابي بأعين الصهاينة هو إرهابي بأعين العرب؟ يهون التطبيع أمام هذا التصرف من قبل النظام الأردني، إنه تصرف ما فوق التطبيع وما بعده. إنه تحويل العرب المجاهدين إلى مجرمين يواجهون عدوا واحدا وهو الصهيونية وخدامها من العرب.
طبعا لن يتقبل النظام الأردني هذا الكلام، وستنشط أجهزة مخابراته في الرد والدفاع والتشويه، وسيتفذلك علينا هو وأعوانه من المنافقين والماسونييين والأُجراء من رجال المخابرات بأن نقل المعتقلين إلى الأردن يخفف من معانياتهم الإنسانية ويمكن أهاليهم من زيارتهم. يحاول النظام استخدام البعد الإنساني والرحمة والشفقة لتبرير الخطوات السياسية. المسألة مسألة مبدأ، وهي أكبر بكثير من مسألة زيارة المعتقلين ومن صحن طبيخ. إنها مسألة متعلقة بالكرامة العربية والعزة والإباء، وبحقوق العرب والمسلمين، وبمتطلبات الصراع العربي-الصهيوني. المسألة أكبر بكثير من أن تُقزم بمسائل فرعية على الرغم من أهميتها لعائلات المعتقلين.
لقد جربت أنا الكاتب الاعتقال لدى الصهاينة ولدى السلطة الفلسطينية، ولاحظت أن ظروف الاعتقال المادية لدى السلطة الفلسطينية أخف وطأة من ظروف الاعتقال في المعتقلات الصهيونية، لكن وطأة الاعتقال وتأثيره النفسي في المعتقلات الفلسطينية أشد وأقسى وأمر وأصعب منهما في السجون الصهيونية. في المعتقل الفلسطيني، تصحو كل صباح مغمورا بالخزي والعار والشعور بالذل والهوان، لكنك تفيق صباحا في المعتقلات الصهيونية وأنت تختزن العزة والإباء وتفيض بالإصرار على مواجهة هذا العدو حتى انتزاع كامل الحقوق. صحيح ان عائلتي كانت تأتيني بطبخة طازجة لذيذة من الدجاج المشوي والمحشي والكباب، لكن مصائر الأوطان أعظم بكثير من كرشة محشية تفوح منها رائحة السم والإذلال.
عرب وعلى رأسهم فلسطينيون يقزمون القضية الفلسطينية ويحولونها إلى شوال من الطحين، وهم يدوسون على كل القيم والمبادئ، ولا يفتقرون للتبريرات التي تقطر استسلاما وانحناء وسجودا عند أقدام العدو. لقد ملأتم يا حكام العرب صدورنا غيظا وقهرا، لكن التاريخ لا يقف عندكم، ولن تكونوا أبدا المخلدين.
المصدر: نداء القدس + وكالات 07/07/2007، 16:10