مقاطع من رسالة الرفيق الأسير محمد كناعنة - أبو أسعد لمؤتمر الحركة عام 2006

قال فيلسوف عظيم:
         "ليس للحياة قيمة إلاّ إذا وجدنا فيها شيئًا نناضل من أجله"...
وقال طاغور شاعر الهند العظيم
         "سأل الممكن المستحيل: أين تقيم؟ فأجابهُ: في أحلام العاجز"...
أما آرنست همنغواي، فقال:
         "قد يُدمَر الانسان، لكنهُ لا يُهزم"...
وأضاف إبن حَزم الأَنَدلُسي:
         "نقطة الماء المستمرة تحفر ُ عُمقَ الصخر"...

الأخوات والإخوة الحاضرين دائمًا في قلوبنا...
الرفيقات والرفاق... أيها الأحبة الأعزاء الساكنين دائمًا وأبدًا في القلب...

أحييكم وأقول لكم من هُنا حيث تكتسب الحياةُ معنى آخر، أقول: "لا كان العيش من غير حياة... ولا كانت الجنةُ بلا كفاح"....

رفيقاتي ورفاقي... ساعات طويلة والقلم يخونني، والكلمات تهرب من دائرة العالم الصغير - الكبير الذي أحيا فيه الآن. أنظرُ إلى الأوراق أمامي وهي على حالها بيضاء، تتمنعُ عليّ، أبحثُ عن بعض الكلمات لأكتُبَ جملةً تُعبر عما أشعر بهِ، لأُقدمَ لكم تحية خاطفة... في مناسبة جدّ مهمة وحساسة... ليس بسبب غيابي وإنما بداعي حضوركم أنتم... كونها تجمع بين ثناياها خيوط المستقبل القادم.

أيتها الرفيقات أيها الرفاق... أنتم النور الذي يضيء عليَّ عتمة الزنزانة... وأنتم الشوق بمدادهِ، أكتبُ وأكتبُ وأملأٌ فضاءَ وحدتي به... إدراكي وعلمي وإيماني بكم بدوركم بقدرتكم بعطائكم هو ما يقلّل من وحشة الرحلة الطويلة القاسية... وهذا ما يجعلني أستمتع بها رغم الغضب والبعد والحرمان، لكن، الندم والوهن والتراجع... شكرًا وأبدًا أبدًا ليس في قاموس حياتي... وهذا بفضلكم ومن أجل الحياة وفي سبيلها... من قلب هذه العزلة أحييكم وأشد على أياديكم... من قلب عتمة الزنزانة التي علمتني معنى الحياة... نعم فالحياة هي القيمة العليا في نشاط الانسان... وهي ميزته الانسانية الخاصة... ولا معنى لأن نبحث عن سُبل العيش فقط، فكافة المخلوقات على وجه الأرض تعيش... لكن الانسان يحيا... وشَتّانَ ما بينَ هذا وذاك.

إنها لحظة عظيمة أن اتوجه لكم بتحيتي هذه... أن أُعبرَ لكم عن محبتي وشوقي للعودة والمساهمة جنبًا إلى جنب في مسيرة النضال الطويل... وأن أُسجل اعتزازي بخياركم – خيارنا في سلوك هذا الدرب العظيم المليء بالأشواك... إنها فرصة ان أفضفض لكم عن قليل مما قد أقوله لكم لو كنتُ بينكم الآن – وعلى كل الأحوال هذا ليس ببعيد – وليس غريبًا القول أنّ من نحبهم يعيشون دائمًا معنا... وقلوبنا الدافئة تحتضنهم... وهنا أستأذنكم بأن نستذكر معًا بعض ممن هم أعزاء نحبهم ونجلَّهُم وسنبقى... فارقونا في قمة عطائهم وولكن شمسهم ستبقى مُشرقةً علينا دائمًا... وأرواحهم فوقَ تراب القبر زهرة معطرة تحملُ رحيق المعاني الطيبة في الحياة... إنهم الغائبون والحاضرون دائمًا بيننا... الرفاق حسين نصار وابراهيم برانسي ومروان صوّان وسعيد عكاشة والحبيبين أبو هشام وأبو علي، وقبلهم خسرت الحركة الوطنية القومية في الداخل أعلام من أعمدة التيار القومي المكافح منهم نستذكر منصور كردوش وصالح برانسي، حضرتني هذه الأسماء الآن لما لها من دور ومكانة خاصة لديّ شخصيًا ولحركتنا وللتيار القومي المناضل الحقيقي على ساحة الداخل والساحة الفلسطينية والعربية. لقد كافح هؤلاء في سبيل تحقيق المستحيل... وهكذا نحنُ على العهد سنبقى... وقد تركوا للكسالى السعي وراء تحقيق الفُتات من باب الممكن... وهكذا سنفعل نحن، نترك الكسالى في حال سبيلهم... وسنبقى نصرخُ في وجه الشمس حتى يغيب الظُلم وتتحقق العدالة والحرية والمساواة. وعلى هذه الدرب أيُها الرفاق والرفيقات قضى العديد العديد من المناضلين المكافحين من حمـَلة راية التغيير... حالمين بواقع أفضل ومستقبل آخر... أكثرَ إشراقًا... ماتوا في سبيل حلمهم هذا... وما زالوا أحياء بأفكارهم وأفعالهم... فهل ماتَ غسان كنفاني الذي قال: "لن أموت حتى أزرع في الأرض جنتي".. وهل غاب جيفارا الثائر الانسان القديس الذي أرعب الإمبريالية بأفعاله وأقواله وما زال يقضُ مضاجعَ اليائسين المستسلمين والمرتدين وأفكارهُ ترعبُ الليبراليين الجُدد أحفاد الرأسمالية من القوميين والجيفاريين السابقين والماركسيين المرتدين الذين سيطر على عقولهم الوهم وانهزموا.

أيتُها الرفيقات أيها الرفاق... إنَ اللحظة الأعظم والأجمل من هذه الفُسحة في رسالتي... ستكون يوم أتحدث معكم مباشرةً وأكون بينكم... والأَعظم من كل هذه اللحظات يوم تشرق شمس الحرية على شعبنا الفلسطيني في أرض فلسطين من النهر إلى البحر... يوم يسطع نور الحياة... ونحقق العودة بالتحرير... تحرير العقل والانسان والأرض... حينها يكون بالمقدور إنجاز العدالة والمساواة... يوم يتحرر الانسان العربي من المحيط إلى الخليج... ذلك اليوم سيكون الأعظم لنا وللأجيال من بعدنا لأنهُ حتمًا سيكون.

وعليهِ أيُها الأعزاء... من ينتظر لا يتقدم... والتردد لا يصنع المعجزات ولا يُنجز التغيير... فالتردُد عقبة كأداء أمام النجاح... والانتظار حبل يشدّنا إلى الخلف... فلنقطع حبل الانتظار هذا. لنُحطم أصنام التردد... فقد كبرنا وكبُرت أحلامنا معنا وازدادت الفجوة بين الحلم والواقع... ونحن نكبر ونبتعد عن الحلم الذي يكبر وعن الواقع الذي يقتحم أحلامنا... وأحلام أطفالنا الأجيال... وليس الأمر متأخرًا لأن نأخُذَ زمام المبادرة... أن نقف أمام الحلم والواقع وما نريد... فالقناعة بالحلم والايمان بالعدالة وقوة الارادة قادرة أن تصنع المعجزات وتحطم المستحيل وتحقق الاحلام... وتستحضرُني هنا مقولة لينين الرائعة: "ينبغي أن نحلم وعدم التوافق بين الحلم والواقع ليس من السذاجة في شيء، إذا كان من يحلم يؤمن بحلمه، ويلاحظ الحياة، ويعمل على تحقيق ما يحلم به"..

الرفيقات والرفاق... الحضور الكريم.. "أليست أزهار الربيع هي أحلام الشتاء"... قد تكون هذه المقدمة البسيطة تحمل في طياتها بعضاً من الوجدانيات والمشاعر والأحاسيس... هذا صحيح مئة بالمئة، لكن هذه المشاعر النابعة من القلب مُطعمة بتفاؤل العزيمة وتأَمُل العقل... واسمحوا لي هنا أن أنتقل إلى محطة أخرى... وسأُركز في هذه الأسطر القادمة على الوضع التنظيمي – مع عدم اغفال الجانب الفكري والسياسي – وهذا سيتولى طرحه الرفاق في قيادة الحركة وعرضه للنقاش حسب برنامج المؤتمر... وسريعًا أقول إن أسوأ ما يكون غياب النشاط الفكري والايديولوجي، وعدم أشغال العقل في هذا المجال بسبب غياب الإنتاج الفكري وجعلنا فقط متلقين وحسب الظروف والمزاج والمرحلة وما إلى ذلك... فالوحدة الفكرية ضامن للوحدة السياسية والتنظيمية... ولكن عن أي فكر نحن نتحدث؟ عن أية ايديولوجية؟... الأمر في هذا الحال لا يُحسم بجرة قلم... والمطلوب برأيي أخذ الوقت اللازم لهذا الموضوع المهم والحساس، ودراسة حالتنا الخاصة والتغييرات الدولية والاقليمية والمحلية... قراءة الواقع قراءة موضوعية وطرح الأفكار للحوار الداخلي والنقاش المستفيض دون خوف أو وجل.. وليس صحيًا ولا إخلاقيًا قيامنا بتعليق الأزمة على المستوى الفكري على مشجب الانهيار العالمي للمنظومة الاشتراكية الذي حصل في بداية التسعينيات كما ليس صحيحًا القاء هذا العبء على رفاق انتقلوا إلى مواقع أخرى أو تنحوا جانبًا أو تساقطوا بفعل أسباب وعوامل مختلفة... فهؤلاء بمختلف أطيافهم كما الحال الآن هم نتاج سيرورة التنظيم وانعكاس للواقع الذي ساد في الحركة وبعض تجلياته ما زالت تراوح مكانها... ومن هنا علينا ألا يُصيبنا مرض التعامي عن الحقيقة وأن لا يسري علينا القول: "وفسَّرَ الماءَ بعد الجهد بالماءِ"... علينا أن نقف وقفة جادة أمام هذا الأمر كجزء من اليسار الفلسطيني العربي ونساهم في حوار فكري صريح انطلاقًا من العام إلى الخاص وبالعكس.

وبقدر أهمية هذا الجانب إلاّ أنه علينا أن لا نقبض عليه بطريقة تجعلهُ يفلت من بين أصابع أيدينا، ويتبدد الجُهد دون نتيجة... كمن يقبض بيدهِ على بالون مطاطي مليء بالماء ويضغط عليه من الوسط فينفجر ويُبلّل نفسه ويخسر الماء والبالون معًا... وهذا ينقلنا إلى السياسي... فنحنُ بطبيعة شعارنا وصدق إنتمائنا نملك وحدة سياسية هي اليوم الضامن لتماسكنا... فالوحدة في السياسي قوة وتبرر الرغبة في الاستمرار... ونشير إلى أن الحاجة إلى تنظيم يحمل هذا الشعار ما زالت قائمة... ولم تنتف أسباب وجوده... وإنما تتعزز يومًا بعد يوم وتتطلب منا المزيد من العمل... وتستدعي منا تنظيم أفكارنا وشعاراتنا وبرامجنا ومن ثم صقلها في سبيل عملي وطريق واضح وأسلوب علمي كي تأتي ثمارها على أرض الواقع ولو بعد حين.

نتحدث في السياسي اليوم... بعد سنوات منذُ آخر ورقة سياسية طُرحت للنقاش الداخلي ومنذ ذاكَ الحين جرت مياه كثيرة في النهر.. الأيام لا ترحم.. فإما أن تسير معها وتسايرها وتعاندها وتفعل بها فعلك وإما أن تدوس عليك وتمضي إلى حيث هي تشاء... فحالة الاستقطاب السياسي تجري بشكل موضوعي على الساحة المحلية وعلينا أن نحسم أمرنا بوضوح أكثر... فنحن لسنا بحاجة إلى ما يميزنا عن غيرنا فالأمر واضح والمطلوب هو صياغة هذا التميز ضمن برنامج واضح وطرحه بجسارة والعمل على خلق آليات لتطوير الفعل السياسي المنوط بنا... وعلى سبيل المثال أذكُر هنا دور الاعلام في هذه العملية... نحن بحاجة إلى نشر فكرنا وتعميمهُ بين الناس، بحاجة إلى فرض دورنا وتعزيز نشاطنا والاعلام القوي هو إحدى الدوافع الأساسية في المشروع السياسي... وكذا علينا رسم سياسة اجتماعية وطنية تشمل مختلف جوانب حياة شعبنا والتعامل مع القضايا التي تخص فئات وقطاعات مجتمعية مختلفة مع إجادة الربط بين هذه القضايا والسياسة العامة والبرنامج الاستراتيجي والشعار المركزي وأدوات العمل وأساليب النضال والأولويات... أن نبني شبكة أمان تكون ضامناً سياسيا وطنيا لا تسمح بالغرق في الجزئيات وتبعدنا عن التحجر والانغلاق... وسوف أعود إلى هذه النقطة في موقع آخر... وأخيرًا في الجانب السياسي أقول أن المياه التي جرت في النهر... فلسطينيًا وعربيًا ودوليًا في معظمها تصُب في صالح مشروع التحرر من انجازات اليسار في أمريكا اللاتينية ونيبال وكوريا الشمالية وغيرها من تصاعد المقاومة للاحتلال الأمريكي في العراق وافغانستان من إنجازات المقاومة اللبنانية والصمود الفلسطيني الأسطوري... كلها عوامل تدفع بنا للتفاؤل ولن اخوض في التفاصيل فالأمر يتطلب الكثير من الحديث في التفاصيل والعناوين والحيثيات... ولا متسع للكتابة حول ذلك وبالتالي سوف يتناول الرفاق هذا الجانب خلال مداخلاتهم...
...
الرفيقات والرفاق... إن التربة الصالحة قادرة حتمًا أن تُنبت نبتًا جيدًا وأن تعطي ثمارًا طيبةً... التغيير يجب أن يبدأ من الأسفل من القاعدة... وهذا ليس دعوة إلى أعفاء الهيئات القيادية من المسؤولية وإنما دعوة إلى الوقوف بشكل موضوعي أمام الواقع، وعدم تخطي الأزمة إلى الأمام هروبًا من المسؤولية، وعدم شخصنة الأزمة. فالقيادة هيئات وأشخاص هم نتاج لحالة الحراك الداخلي في التنظيم... وعلينا أن نتبعد عن أسلوب "عاش الملك... مات الملك"... وكذلك مغادرة نمطية القول ان "الأموات فقط لا يخطئون" فالتفاعل بين القاعدة والقمة بشكل دائم عبر الاحاطة من قبل الجميع بالمستجدات تجعل الثقة أساساً في التعاطي وتبنّياً لوحدة العمل المتين بشفافية التعامل وطرح الأفكار... وكذلك تضع القاعدة تحديدًا والهيئات المختلفة أمام مسؤولياتها بتصحيح المسار وقرع جدار الخزان وقت يتطلب الأمر ذلك... فعلى المؤتمر كأعلى هيئة قيادية في الحركة وأوسع لقاء على مستوى القاعدة والقيادة، عليه تقع مهمة توجيه الهيئات القيادية... وخاصة في اللحظات الحرجة... هذا حق وواجب القاعدة – للمؤتمر – للرفاق للمناضلين للناس الوطنيين الحقيقيين... واذا تخلينا عن هذا الحق – الواجب نكون قد خطونا خطوة أخرى إلى الخلف ولكن ليس بهدف خطوتين الى الأمام...

وقبل أن نتحدث عن برامج وما إلى ذلك علينا أن نُدرك ما نحن مُقدمين عليهِ ونقرأ الحالة بوعي وادراك حتى ننتقل بعد ذلك إلى السبيل لاجتياز أزمة الأزمة التي تلازمنا... بقول لينين في تعبير رائع وفلسفي ما يلي: "من التأمل الحي إلى التفكير المجرد ومن التفكير المجرد الى التطبيق. هذا هو الطريق الديالكتيكي لمعرفة الحقيقة ولمعرفة الواقع الموضوعي"... هذه الصيغة تنفع وتسري في السياسي والفكري والتنظيمي... وما أحاول قولهُ هنا، هو ما قد يتردّد البعض في قوله... من خلال تشخيص حالة نحياها معًا ونتجاهل بعض تفاصيلها... وسأتطرق بعد قليل إلى عناوين سريعة دون الدخول بالتفاصيل... ولكن قبل ذلك أود أن أشير إلى أن هذه الأزمة وأي أزمة مهما عظُمت... ورغم الظروف الموضوعية تبقى من صنع الانسان... ومن يواجهها هو الانسان... نحن القادرون على ذلك... وحين تكون الفكرة نبيلة وإنسانية فإنها تستحق منًا كل الجهد والتضحية والعطاء المطلوب... علينا أن نتحدى ونقاوم حتى نقهر أحد أهم عناصر الهزيمة هذا العنصر الخامل المتحرك بداخلنا... أن نقاوم الذات بجانبها البشع أن نتحدى نزعة الأنا بصورتها السلبية... وهذا الكلام ليس دعوة إلى التزهُد وراء مقولة جيفارا خلال خوضه لمعارك الغابات في سبيل كسر نير الاستعمار والامبريالية في أمريكا اللاتينية حين قال: "إنك لتعرف الثائر الحقيقي من رائحته النتنة"... ليس هذا ما أقصده، وليس لأن شعار جيفارا خطأ في حينه أو حتى اليوم في مواقع تشابه ظروف حرب العصابات في أي جزء من العالم... وإنما ما أردت الإشارة إليه هُنا، أن الثائر الحقيقي في كل الأزمان عليه أن يعرف ويُجيد الحصول على حقهِ وأن يُحقق ذاته من خلال حصول الآخرين على حقوقهم وليس على حسابهم... هذا ما عناه جيفارا، هذا ما سعى إليه سبارتاكوس هذا ما جسده أبو ذر الغفاري وهذا ما كتبه غسان كنفاني بدمه... ودفع ناجي العلي روحه على مذبح الانحياز للحق للفقراء للآخرين للجموع وهو من قال "ان المناضل الحقيقي دائم العطاء ويأخذ حقهُ من خلال حق الآخرين وليس على حسابهم"... والكلام لناجي العلي.
....
باختصار شديد أقول إن حجر الزاوية في نجاح أي مشروع مهما كان لتجاوز الأزمة هو العامل البشري... أي حوامل المشروع وأدواته التنفيذية، لهذا على كل من يرى في نفسه قادرًا ومؤهلاً لهذه المهمة أن يتقدم ويقدم امكانياته وقدراته ويساهم في دفع المشروع إلى الأمام صوب النجاح... ومن ثم علينا أن نسعى إلى الكف عن التعاطي مع الشعار بشكل نمطي وجامد وتقليدي... علينا أن نرى ما يقبع خلف شعارنا السياسي من حيثيات ومفاصل وضرورات نضالية... واستنباط برامج تنظم العمل وتلامس وعي الناس وحاجاتهم وتفكيرهم فننقل السياسة إليهم ونجتذبهم بذلك نحو العمل على تحقيق هذه البرامج المستوحاة من الشعار المركزي العام... وهذا الأمر يتطلب دراية ووعي للأساليب والأدوات المؤسساتية والمنظمات المجتمعية... دون أن يغيب عنا خطر هذا الخيار... فهذه المؤسسات غير قادرة لوحدها ودون سند وطني سياسي أن تقوم بحل مشاكل مجتمعية. .. ولا تستطيع إحداث تغيير وتحول جذري في المجتمع. فهي من غير الناظم السياسي الوطني تتحول إلى دكاكين وواجهات تحت يافطة وطنية وتعزز العشائرية والطائفية والعائلية في العمل الأهلي... كما هو حاصل في العديد من مؤسسات العمل الأهلي في الداخل أو في الضفة الغربية وقطاع غزة... فقد أصبحت معظم هذه المنظمات والمؤسسات مُطوبة على إسم المدير العام ومن لفَ لفـّه... وغدت أداة في سعي البعض لضرب دور الحركات السياسية الوطنية. ونزع الثقة عن العمل الوطني وتحييد الشارع عن معركة الحرية والحياة عبر يافطات خطيرة وتمويل مشبوه وتحالفات مباشرة وغير مباشرة مع المشروع الصهيوني-الامبريالي في ضرب الحركات الوطنية الجذرية على الساحة الفلسطينية والعربية وكذا ضرب التيار الاسلامي الجهادي في المنطقة... ومن هنا يجب أن يكون سعينا إلى هذا الأسلوب من العمل مترابطاً مع الوطني والسياسي... وتنظيم العلاقة على قاعدة برنامج شفاف وديمقراطي مع وجود ناظم تنظيمي والاستفادة من تجارب سابقة منعًا للانفلاش والانحراف والفساد والافساد... وهناك تجارب تشير إلى طرفي المعادلة، تجارب تستحق التقدير والثناء وتجارب تشير إلى الفساد والاختلاس... لنضع التجارب أمامنا ونتعلم من غيرنا ومن تجاربنا السابقة التي لا تُشرف أحداً... وكانت نموذجًا سيئًا في سوء استعمال هذه المؤسسات إداريًا وسياسيًا فيما بعد حتى غَدت عبئاً على الحركة وعارًا في بعض الحالات...

واستكمالاً لهذا الخيار علينا أن نبنى علاقات طيبة ودائمة مع الجماهير... وعلينا بناء جسور لا تنقطع مع الناس لأن التنظيم في الأول والأخير وسيلة وليس هدفًا... وسيلة نضالية تهدف إلى تحقيق غايات وأهداف انسانية سامية تصب في صالح الناس جميعًا.

وكذا علينا أن نبنى تحالفات وتفاهم مع القوى الأُخرى انطلاقًا من خصوصية واقعنا وتميزه في موقعه وحالة الاستهداف المستمرة لشعبنا في الداخل وعلى قاعدة نزعه من عمقه العربي وانتمائه الوطني الفلسطيني وارتباطه الروحي الوجداني والتاريخي والحضاري والوطني والقومي الأصيل... لهذا فان التصدي للمؤسسة ومخططاتها تتطلب أكبر قدر من الوحدة والتعاون...

أيتها الرفيقات أيها الرفاق... أعلم جيدًا أنني أطلت عليكم... وأعلموا أنني قد اختصرت العديد من المواضيع والنقاط وهناك أمور لم أتطرق لها بتاتًا عن قصد ومع سبق الاصرار... جزء منها اختصارًا للوقت والجزء الاخر لحساسيتها وعدم رغبتي في التطرق لها كتابةً... وأقول في نهاية الأمر أنه علينا أن نبقى أسرةً واحدة، موحدة، متكاتفة... هكذا وهكذا فقط نستطيع أن نتحدى وننتصر...

وعلينا أن نتعلم كيف نحوّل الأحزان إلى قهر... لن نكبت في داخلنا... حتى يتحول القهر إلى رفض وهذا إلى مقاومة... نقاوم الظلم والفقر والجوع والموت والانكسار والهزيمة... حتى تبيان الحقيقة وإيجاد الحق...

أتقدم بالتحية منكم جميعًا... أحييكم وأناشدكم أن تُبقوا رؤوسكم عاليةً شامخة... فنحن أصحاب رسالة سامية وصادقة...

وعن قصد ومع سبق الاصرار تركت تحية خاصة وعزيزة حتى النهاية... تحية للشبيبة الواعدة... للأجيال الصاعدة... وتحية حارة وخاصة للرفيقات والرفاق الجدد الذين لم يتسنّ لي حتى الآن شرف اللقاء بهم... لكن سمعت أخبارهم الطيبة...

تحية للرفيقات تحديدًا،... للمرأة في مؤتمرنا وفي حركتنا... رغم قصورنا في هذا الجانب... تحية عبركم للمرأة الفلسطينية المقاومة الصامدة.

تحية للرفاق والرفيقات والأصدقاء اليهود المناضلين المكافحين المقاومين للصهيونية وإغرائاتها وخداعها السافر...

تحية لشعبنا الفلسطيني البطل الصامد... تحية لشعبنا اللبناني البطل...

تحية لكل أحرار العالم...

المجد والخلود للشهداء الأبرار...

الحرية لأسرى الحرية...

العودة للاجئين والمهجرين...

عاشت فلسطين عربية حرة ديمقراطية من النهر إلى البحر

عهدًا مني لكم أيها الرفاق وأيتُها الرفيقات أن أبقى على العهد إلى الأبد...

معًا على الدرب

رفيقكم أبو أسعد
سجن الشارون – 22/11/2006
الساعة 5:15 صباحًا